الجمعة، 2 أغسطس، 2013

"سعد سعيد مسافرٌ عبر الزّمن"

"سعد سعيد مسافرٌ عبر الزّمن"


إنّ أحسن العوالم هو كتابٌ يعالجُ المستقبل
" هكسلي"

لعل الحكايات الموغلة في الخيال العلمي تمتد جذورها إلى عالم الأساطير الذي ركن إليه أسلافنا ؛ حين فسّروا الظّواهر الطّبيعية التي أحاطت بهم تفسيرا يتناسب ومعتقداتهم وماتوصل إليه نتاجهم العلمي والإنساني ؛ فكتبوا الأساطير حول قوس قزح والعواصف والنبات والحياة والموت ، ثم انتقلوا إلى عصور أخرى تحدثوا فيها عن حروبهم مع الجن ثم عن بساط الرّيح، وطاقية الإخفاء ، ومصباح علاء الدّين، وأحلام الطيران عند عباس بن فرناس ، فكانت تلك الحكايات والأساطير تبدو كمحاولات لإماطة اللثام عن عوالم الغيب والمجهول أو ماقد يحمله الغد ، وربما كانت كأنّها تدوين لأمنيات قادمة لمستقبل آتٍ أفضل مما هو عليه الحاضر وتحقيق لتطلعات الإنسان بأن ينعم بزمانٍ يكون به المكان أكثر أمنا وصلاحا ، وإنسانية ...
وأدب الخيال العلمي بشكله الحالي ؛ والذي يحمل تأسيسُهُ توقيعَ كلاً من "جون فيرن" ، و"أتش جي ويلز"؛ الذي حدّث العالم عن إمكانية السّفر عبر الزّمن بواسطة " ماكنة إستكشاف الزّمن" .
هذا الأدب المعتمد على نظريات الفيزياء الحديثة في النّسبية والميكانيك الكمّي ، ومن ثمّ نظريتا الأوتار الفائقة ، والأبعاد التّسعة ؛ اللتان فتحتا أمام مخيلة وإبداع كتّاب هذا النّوع الأدبي فضاءات ، وأكوان ، وأزمنة رحبة ومتداخلة ؛ ألهمت الروائيين وصناع السّينما بعشرات القصص التي تتحدث عن السّفر إلى الماضي أوإلى المستقبل .
لقد تمكن هذا النّوع الأدبي ومنذ الحرب ( الأمريكية – الإسبانية) في العام 1898 من أن يضيف لنفسه صفة فيزيائية تصف كائنات مجهولة وافدة من العالم الخارجي ،أي أنّ عامل الحرب وماعانته الشّعوب هي التي دفعت الكتّاب والمفكرين ومنهم الرّوائي العراقي سعد سعيد للإنزياح نحو هذا الجنس الأدبي؛ لتحقيق شيئا من التّوازن النّفسي ، وإعادة بناء الأمل في الرّوح التي دمّرتها كارثة الحروب ، رغم ماقد يشوب بعض روايات هذا النّوع الأدبي من نهايات مفجعة بحق الانسانية وكوكبنا الأرضي ، مثل رواية (الطّريق) للأمريكي ( كورماك مكارثي)...
فالرّوائي سعد سعيد قد جمع في عدد من رواياته مثل : ( الدّومينو 2007 ) ، وياحادي العيس (2010)، وفيرجواليه ( 2012) كل الهواجس المتناقضة التي يحملها "مفكرو" أدب الخيال العلمي لكن ببصمته العراقية الخاصّة ، وكأن مامرّ به العراق منذ عقود من الزّمان جعلت الغد المجهول و(المنتظر) يفرض نفسه بقوة في رواياته . ففي الوقت الذي يؤكد به "جون فيرن " : (أن وجود خيال علمي يستلزم وجود علم حقيقي وتاريخ حقيقي ) نجد أنّ سعدا يضيف لهذه المقولة قولا ً آخر َ بأنّه : ( يستلزم وجود جحيم حقيقي ؛ طال الأرض العربية من مشرقها إلى مغربها ، جحيم ضاعت به القدس، واستبيحت وخدِّشَتْ به بغداد ، واكتوت الشّام ، وتناثرت شوارع العروبة بين جيش المحتل وجيوش الرّعاع ) . فنجده تارة يحاول أن لايوغلَ كثيرا في سفره عبر الزّمن ، بل يكتب خيالاته في الحاضر كما في فرجواليه ؛ وكأنّه يحاذر من أن يطول بنا الأمد في مطبات الحروب والكوارث المتلاحقة وفي تارة أخرى يسافرُ بحرية لاحدود لها بين البوابات الزّمنية في روايتي ياحادي العيس والدّومينو ؛ لايخشى مثل تلك الدّورية التي كتبها ( بول أندرسون ) في روايته (دورية الزّمن) حين يصف بها مجموعة تسمى بالـ ( الدانيلييون ) الذين يعيشون لأكثر من مليون سنة ويخشون التّصرفات السّيئة لقراصنة الزّمن الذين يمكن أن يؤثروا على مصيرهم فيشكلون دورية مكلفة بمهمة الشّرطة على طرقات الزّمن ، ولماذا يخشى؟ وهو قد حمل هم الإنسانية في رحلاته الزّمنية هذه ، وأخبر العالم في رواية "الدّومينو" عن سر طاقة المستقبل المستخلصة من معدن " الجبّاري " نسبة إلى عبد الجبار ذلك الرّجل الفذ الذي يحلم به سعد سعيد مفكرا وملهما وقائدا للبلاد العربية ، وحين توصل أحد ابطال رواية الدّومينو – فاهم – إلى الطّريقة التي تنشطر بها النّواة إنشطارا باردا لايتسبب في تلك الكوارث التي تلحقها المفاعلات النّووية في البيئة وفي مستقبل كوكبنا الأرضي ومايعانيه من تلوث واحتباس حراري حتى ضاقت الأرض والأحياء بنشاط البشر اللامسؤول ..
كل هذه الأمنيات يسافر بها في أوراق رواية الدومينو؛ التي يرى العرب بها دولة عظمى ، وفلسطين مركز علمي متميز يقصده طلبة العلم رغم كل ماشاب تاريخها من تزوير وتغييب لحقيقة الاحتلال الصّهيوني لها ؛ وكأنّ سعدا يتمنى لو كان هذا كابوسا وأن الدولة التي أغتصبت هي أوغندا وليست بفلسطين خصوصا وأن تاريخ كتابة الرّواية يعود للعام 2000 أي في العام الذي شهد اندلاع انتفاضة الأقصى العظيمة ، ثم نجده يرسمُ صورة براقة للمستقبل العربي ، كما يفعل علماء المستقبليات ، ويكون الكومبيوتر الفائق كومبيوترا عربيا بامتياز والرياضيات العربية ، رياضيات عالمية فيختار تواريخا لها صلة ربما بما شهده قرننا المنصرم ، فتارة نجده في العام 2587 أي بعد ستة مائة عام على ثورة الحجارة الفلسطينية الأولى ، وتارة نجده في العام 2614 أي بعد سبعة مائة عام على الحرب العالمية الأولى التي دخل بها العرب نفق الاستعمار والعملاء والدّخلاء والخونة وتجار دم الشّهداء ومصائر الشّعوب ، وبذلك فهو يرتدّ من جديد للواقع العربي المرير. و مايجعله يشعرُ ونشعرُ بأنه عالق بين الأزمنة التي يسافر بينها - تماما كما يعلقُ المسافرون عبر الزّمن في مجاهلهِ ؛ حين يحدث خطأ في موجات الإشارات التّايكونية التي ترافق رحلاتهم وترشدهم كي يعبروا البوابات الزّمانية بأمان - هي هذه الفوضى العربية ، وهذه الأخطاء الكارثية التي يمارسها صانعو قرارات البلاد العربية و بذلك فهو يعود للماضي بأخطائهم هم ، وليس عن طريق الثّقوب الدّودية ، ولا عن طريق البعد السّادس الذي يتمّ السّفر به إلى الماضي .

كوكب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق